مرتضى الزبيدي
175
تاج العروس
" وحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً " ( 1 ) واستاءَ هو اسْتَهَمَّ ( 2 ) وفي حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ رجلاً قصَّ عليه رُؤيا فاستاءَ لها ثمَّ قال " خِلافَةُ نُبُوَّةٍ ( 3 ) ثمَّ يُؤْتي الله المُلْكَ من يشاء " قال أَبو عُبَيد : أَراد أن الرؤْيا ساءته فاستاءَ لها ، افتعلَ من المَسَاءةَ ، ويقال : استاءَ فلانٌ بمكاني ، أَي سَاءهُ ذلك ، ويروى : فاستآلها ( 4 ) أَي طلب تأْويلَها بالنَّظرِ والتأَمُّلِ ، والسُّوءُ ، بالضَّمِّ ، الاسمُ منه ، وقوله عزّ وجلّ " وما مَسَّني السُّوءُ " ( 5 ) قيل : معناه ما بي من جُنونٍ ، لأنَّهم نسبوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى الجُنون ، والسُّوءُ أيضاً بمعنى الفُجور والمُنكر ، وقولهم : لا أُنْكِرُك من سُوءٍ ، أَي لم يكن إنكاري إيَّاك من سوءٍ رأَيتُه بك ، إِنَّما هو لقلَّة المعرفة ، ويقال إنَّ السُّوءَ البَرَصُ ومنه قوله تعالى " تَخْرُجْ بَيْضاءَ من غَيْرِ سُوءٍ " ( 6 ) أَي من غير بَرَصٍ ، قال الليث : أمَّا السُّوءُ فما ذُكر بسَيِّئٍ فهو السُّوءُ ، قال : ويُكْنَى بالسُّوءِ عن اسمِ البَرَصِ ، قلت : فيكون من باب المجاز . والسُّوءُ : كلُّ آفةٍ ومرضٍ ، أَي اسمٌ جامعٌ للآفاتِ والأَمراض ، وقوله تعالى " كذلك لنَصْرِفَ عنهُ السُّوءَ والفَحْشَاءَ " ( 7 ) قال الزجَّاج : السُّوءُ : خيانَةُ صاحِبَةِ العزيز ، والفحشاء : رُكوب الفاحشة ، ويقال : الأَخيرَ في قولِ السَّوءِ بالفتح والضمّ ، إِذا فتحتَ السين فمعناه لا خَيْرَ في قولٍ قَبيح ، وإذا ضممتَ السِّين فمعناه لا خَيْرَ في أن تقولَ سُوءاً أَي لا تقل سُوءاً وقرئ قوله تعالى " عليهم دائِرَةُ السَّوْءِ " ( 8 ) بالوجهين الفتح والضم ، قال الفرَّاء : هو مثل قولك رجلُ السَّوْءِ ، والسَّوْءُ بالفتح في القراءة أَكثرُ ، وقلَّما تقولُ العربُ دائرة السُّوءِ بالفتح ( 9 ) ، وقال الزجَّاج في قوله تعالى " الظَّانِّين بالله السَّوْءِ عليهم دائِرَةُ السَّوْءِ " ( 10 ) كانوا ظنُّوا أَنْ لن يعودَ الرسولُ والمؤمنون إلى أَهليهم ، فجعلَ اللهُ دائرة السَّوْءِ عليهم ، قال : ومن قرأَ ظنَّ السُّوءِ ، فهو جائزٌ ، قال : ولا أعلم أَحداً قرأَ بها إِلاَّ أَنَّها قد رُوِيَتْ ، قال الأَزهريُّ : قولُه : لا أَعلم أحداً إلى آخره ، وَهَمٌ ، قرأَ ابنُ كثيرٍ وأَبو عمرٍو : دائرةُ السُّوءِ ، بضم السِّين ممدوداً في سورة بَراءة وسورة الفتح ، وقرأَ سائرُ القُرَّاء السَّوْءِ بفتح السين في السُّورتين . قال : وتعجَّبتُ أَن يذهَبَ على مِثْلِ الزجَّاج قِراءةُ القارِئَيْنِ الجليلين ابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو ، وقال أَبو منصور : أَمَّا قوله " وظَنَنْتُمْ ظنَّ السَّوْءِ " ( 11 ) فلم يُقرأْ إِلاَّ بالفتح ، قال : ولا يجوز فيه ضمّ السين ، وقد قرأَ ابنُ كثير وأبو عمرو " دائِرَةُ السُّوءِ " بضم السِّين ممدوداً في السُّورتين ، وقرأَ سائر القُرَّاء بالفتح فيهما ، وقال الفرَّاء في سورة براءة في قوله تعالى " ويَتَرَبَّصُ بكُمُ الدَّوائِرَ عليهم دائِرَةُ السَّوْءِ " ( 12 ) قال : قراءة ( 13 ) القُرَّاءِ بنصب السَّوْءِ وأَراد بالسَّوْء المصدَرَ ، ومن رفع السِّين جعله اسماً ، قال : ولا يجوز ضمُّ السِّين في قوله " ما كانَ أَبوكَ امْرَأَ سَوْءِ " ولا في قوله " وظَنَنْتُمْ ظنَّ السَّوْءِ " ( 14 ) أنَّه ضدٌّ لقولهم : هذا رجلُ صدقٍ ، وثوبُ صدقٍ ، ولبس للسَّوْءِ هنا معنًى في بلاءٍ ولا عذابٍ فيُضَمّ ، وقرئ قوله تعالى " عليهم دائرَةُ السُّوءِ " أَي الهزيمَةِ والشَّرِّ والبلاءِ والعذاب والرَّدى والفَساد وكذا في قوله تعالى " أُمْطِرَتْ مَطَرَ السُّوءِ " ( 15 ) بالوجهين أَو أَنَّ المضموم هو الضَّرَرُ وسوءُ الحال والسَّوْءُ المفتوح من المَسَاءة مثل الفَساد والرَّدى والنَّار ، ومنه قوله تعالى " ثمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذينَ أَساءُوا السُّوءَ " ( 16 ) قيل هي جهنم أَعاذنا الله منها في قراءةٍ أَي عند بعض القُرَّاء ، والمشهور السُّوأَى كما يأتي ، ورجلٌ سَوْءٍ بالفتح ، أَي يعملُ عملَ سَوْءٍ وإذا عرَّفته وصفتَ به ( 17 ) تقول : هذا رجلُ سَوْءٍ بالإضافة وتُدخل عليه الألف واللام فتقول : هذا رجلُ السَّوْءِ ، قال الفرزدق : وكنتَ كذِئْبِ السَّوْءِ لمَّا رأَى دَماً * بصاحِبِهِ يوماً أَحالَ على الدَّمِ
--> ( 1 ) سورة النساء الآية 69 . ( 2 ) اللسان : اهتم . ( 3 ) بهامش المطبوعة المصرية : قوله " خلافته " والذي في النهاية خلافة نبوة بالإضافة بلا ضمير " وهي كذلك باللسان . ( 4 ) عن اللسان والنهاية ، وفي الأصل : " فاستاء لها " والسياق يقتضي ما أثبتناه . ( 5 ) سورة الأعراف الآية 188 . ( 6 ) سورة طه الآية 22 . ( 7 ) سورة يوسف الآية 4 . ( 8 ) سورة التوبة 98 . ( 9 ) كذا بالأصل ، وعبارة اللسان : وقلما تقول العرب دائرة السوء برفع السين . . . وهو الصواب وسيرد بعد أسطر ما يثبت ذلك . ( 10 ) سورة الفتح الآية 6 . ( 11 ) سورة الفتح الآية 12 . ( 12 ) سورة التوبة الآية 98 . ( 13 ) في اللسان : قرأ القراء . ( 14 ) سورة مريم الآية 28 . ( 15 ) سورة الفرقان الآية 40 . ( 16 ) سورة الروم الآية 10 . ( 17 ) زيادة عن اللسان .